الثلاثاء، 21 يناير 2020

درس من القوقاز

     
اعتقدت اني كنت الوحيد  الذي كان يستمع للوركان حتى أني نسيت ترجمة ما قاله الى احميدة. كان إيغابي على الخط أيضا  و شارك برأيه.
 -- سيد لوركان...قد يكون ما تقوله صحيحا و لكنه لا ينطبق علينا نحن الافارقة. أنت تسافر لأنك تستطيع فعل ذلك.
-- و ما يمنعك من فعل ذلك؟
-- الإمكانيات سيدي. أنا قبل أن أسافر علي بتوفير المسكن و الماكل و الملبس و المدرسة و الرعاية الطبية .
-- و هل منعتك من فعل ذلك؟ انا أسافر رغبة مني في مشاهدة و معرفة العالم
-- و أنا ليست لدي هذه الرغبة ..أنا مضطر للسفر و مرغم عليه. أنا أسافر من أجل تحقيق تلك الأشياء ..المسكن و االمأكل و الملبس و الدراسة و الصحة و غيرها.
--هذه اولوياتك و انا لم أتدخل في تحديدها بالنسبة لك. هذه متوفرة في إيرلندا للجميع و هي حق من حقوقهم...نحن لسنا مسؤولين عن أولوياتكم في إفريقيا.
-- لا أتفق معك سيدي. انتم من استعمرتم بلداننا و تنعمون بثرواتنا. قدمتم إلى  بلداننا و بقيتم فيها حتى أخرجناكم بالقوة و الأن تفرضون علينا شروطكم لنسافر الى بلدانكم.
-- أنا إسمي لوركان أودراين. لم تطأ قدماي نيجيريا من قبل و لست مسؤولا عن منح التأشيرات إلى ايرلندا. بامكانك التأكد من ذلك في سفارة ايرلندا في لايغوس.
-- أنا لم أقصدك انت بالذات سيدي. نحن نتحدث عن الحكومات. من ينتخب هذه الحكومات؟ اليست هي الشعوب؟
-- النقاش اخذ بعدا سياسا يا إغابي. انا كجزائري ليس لدي إمكانيات للسفر حيثما شئت . حكومتي هي السبب. لا دخل لايرلندا في ذلك. حتى لو رغبت في السفر لن أملك الجرأة على إنفاق اموالي من أجل مشاهدة أثار قديمة. لوركان له الحق في ان ينفق امواله كيفما شاء.
-- شكرا سيد  حسن. فلنكمل حديثنا حيث توقفنا. كما قلت لك فإن والدي هو من غرس في نفسي حب السفر . لقد كان والد معلما,  صبورا كان غالبا ما يركز على الفرق بين الذكاء و الحكمة كان يريد مني الذهاب أبعد من المرحلة الثانوية '' يمكنك فعل ذلك'', هي العبارة التي كان يرددها دائما على مسامعي. '' انت تنتمي إلى عائلة أودراين, أنت متميز و لديك عقل رائع, تذكر, انت أودراين''.من الطبيعي ان لا أخيب ظنه. لقد منحني كل الثقة في دراستي فحققت شهادة دكتوراه له و لاحقا حصلت على واحدة لي.وأنا هنا تنفيذا لرغبته أيضا
-- هل هو على قيد الحياة؟
-- لا..توفي قبل سنتين. و انت؟ ماذا يعمل والدك؟
--اانا لا اعرف عن والدي سوى انه كان مهاجرا في باريس بفرنسا. لا أتذكر سوى جنازته.
-- كنت صغيرا؟
-- نعم. في الرابعة من عمري. لا يهم ذلك. دعك من أمري و حدثني عن والدك.
-- كان أبي شغوفا بالتاريخ فحبّب إلي هذه المادة. كنت انتظر حصة التاريخ في المدرسة على أحر من الجمر. وانا الأن أدرس هذا المقياس في الجامعة. كان والدي يحدثني عن كيفية اتخاذ القرارات و تقييمها. كيف أحُدُّ من الخسائر و كيف أتحدى الفشل و أمضي قدماً في مشاريعي. كان يحدثني عن الفرق بين أن أصبح فاشلا و أمسي ناجحا. كيف أتعامل مع خصومي. كان يحدثني عن البذل و الكسب. و لازلت أستعمل مقولته " استمع إلى قلبك و لا تخنه أبدا و اعلم ان كل الاجوبة التي سوف تحتاجها هي بداخلك. فقط اجلس لوحدك و استمع الى قلبك فقط ."
-- أنت قلت أن والدك كان فلاحا. من أين له كل هذه المعارف؟
-- نعم ..كان كذلك..لكنه كان يطالع باستمرار. كان لا يضع كتابا إلا أذا أكمل قراءته. كانت امي غالبا ما توقظه و هو نائم على كرسيه الهزاز أمام الموقد و في يده كتاب .
-- هل درس من قبل؟
-- نعم...درس المرحلة الثانوية فقط ...لكنه قرأ الكتب وسافر كثيرا و تعلم من سفره الشيء الكثير.
-- مثلا؟
-- كنت طالبا في الثانوية و كثيرا ما عانيت من التنمر. كان الجميع يسخر مني لأن والدي فلاح. كان في الثانوية خمسة شبان يقومون بسرقة أغراضي اثناء فترة الراحة و حين تكلمت معهم انتظروني خارج المدرسة و اعتدوا علي فمزقوا قميصي. عدت الى البيت منتفخ الشفتين أزرق الخدين. سألني والدي عن سبب ذلك فأخبرته أني سقطت في حصة الرياضة. '' أولاد أودراين لا يكذبون. من فعل هذا؟ بك؟ أخبرته بحكايتي مع التنمر التي دامت لسبعة أشهر.
-- طبعا ذهب معك للمدرسة.
-- كلا...لم يفعل. طلب مني الجلوس امامه وقال لي ''زرت القوقاز جنوب روسيا ذات عام. بقيت هناك شهرا. تعلمت منهم شيئا واحدا. كانوا دائما يرددون مقولة شهيرة .'' البطولة هي قدرة التحمل لحظة اضافية واحدة. هم قوم مصارعون و يتدربون على المصارعة منذ الصغر. لكي تغلب مافسك هناك يجب ان تسقطه أرضا. يجب أن تنقض على قدميه و تشل حركته حتى يتعب. لا تستسلم ولو ضربك. تحمل و لا تتركه حتى يستسلم''.
-- و هل فعلت ذلك؟
-- نعم. من حسن حظي اني كنت في عطلة نهاية الاسبوع. سهر والدي  يلقنني فنون المصارعة وزادني نصيحة تعلمها من خدمته في الجيش. اضرب القائد يسقط الجيش. ابحث عن رئيس العصابة و لقنه درسا.
-- و هل فعلتها؟
-- نعم. لم أستطع النوم ليلة الاثنين. انتظرتهم خارج المدرسة و راقبتهم حتى افترقوا. ناديت على زعيمهم. لم امهله و انقضضت على قدميه.رفعته الى الاعلى ثم أسقطته أرضا. قمت بتقييد حركة رجليه و كدت استسلم له لأنه كان قويا جدا لكني تذكرت مقولة القوقازيين.'' تحمل لحظة اضافية واحدة". و فعلا أشبعته ضربا على وجهه حتى نزف. من يومها لم يقترب مني أحد فقد لقنت الزعيم يومها درسا لم ينساه. 

الأحد، 19 يناير 2020

لوركان وسرُّحبِّ السفَر

   
إعتقدت أنه بذهاب العساكر سنتحرك نحن كذلك باتجاه تمنراست لكن السائق طلب منا أن نتريث قليلا.
-- هذا وقت صلاة الصبح الجماعة. نتوضاو و نصلوا . القبلة راهي باينة
   توضأنا ما عدا إيغابي النيجيري و لوركان الايرلندي فقد بقيا امام النار التي بدأت تخبو جذوتها قليلا. صلينا الصبح جماعة و عدنا الى مكاننا امام النار فالبرد مازالت سياطه تلفح وجوهنا و أيدينا خاصة بعد ان توضأنا و بللناها. 
      نظر إلي لوركان و أشار بيده الى الساعة يريد أن يسأل عن سبب تأخر السائق في مواصلة الرحلة نحو تمنراست. كنت بصدد سؤال احميدة عندما شاهدت سيارة رباعية الدفع تخرج من بين الصخور و تأتي مسرعة لتتوقف بجانب سيارتنا. نزل منها شخصان فتحا الباب الخلفي و أخرجا منه علبتين من الكرتون  و سلماها لحميدة فوضعهما في سيارته  قبل أن يسلمهما بدورة كيسا متوسط الحجم. كان كل كلامهما باللغة الترقية لم أفهم منه شيئا سوى كلمة "تانمرت نواً" أي شكرا لكم. و "أكساط " بمعنى '' أحذروا''.
     فهمت كما فهم أبو بكر المالي - لأنه ترقي- أن الأمر يتعلق بالتهريب. إنطلقت سيارة المهربين بسرعة و تلاشت بين الصخور بعد أن أشار عليهما حميدة بالذهاب عكس إتجاه سيارة العساكر حسب ما فهمت أيضا. بعد أن تمت اجراءات التسليم و الاستلام طلب منا احميدة الاستعداد للانطلاق مجددا. 
أخذنا أماكننا في السيارة و انطلق حميدة في رحلة دون توقف كما وعدنا.
   --اسأله  كم بقي لنا يا سيد حسن؟
   -- شحال مازال يااحميدة باش نوصلوا لتمنراست؟
   -- ما بقى ياسر...150 كيلو
   -- والله تعبناك معنا ياشيخ..من اللي ركبت و انت تترجم لينا وزيد ما رقدت قاع.
   -- روح برك يا حميدة ...ما بقاش بزاف و نوصلوا.
   -- على ربي...والله محيرني هذا القاوري ياشيخ ...ما زال باغي نعرف علاش جاي للصحراء مع الشيئ اللي صاير عندكم في التل ...والله ما وقت السياحة.
   --ساهلة...نسقسيه و نقولك.
  -- لوركان؟السائق يحب ان يعرف لماذا جئت لبلد يعيش كل هذه المشاكل الأمنية؟
  -- حسنا..هذا السؤال الذي يتكرر على مسامعي منذ وصلت الى الحدود المغربية و منها الى هنا. 
  -- و كيف تجيب عنه؟
  -- هي قصة طويلة يا حسن..هل لديك الصبر الكافي لسماعها.
  -- طبعا ...كل آذاني صاغية لك.
  -- كل ما أفعله الآن سببه تأثير أبي...كان أبي أنيقا, قويا , يملك كاريزما خاصة  لا يكل و لا يتعب. كنا نقدره ونوقره بلا حدود.  لم تكن هنالك مشاكل في حياتنا. كان فلاحا واختار أن يبقى كذلك. كان يستمتع بمهنته بشكل عجيب. كان يتناغم مع أرضه و يحب حيواناته و يرعاها بحب كبير أيضا.  كان مثاليا و يرفض الإخلال بالقانون مهما كانت المنفعة. رغم محبته للصيد كان يرفض ممارسته خارج اوقاته المحددة و كان يرفض استعمال الأسمدة و الكيماويات في مزرعته حتى لو كان المدخول أقل. كان يرفض منح أدوية لحيواناته لتسمينها و يرفض شراء البذور الهجينة غير الطبيعية.
  -- عذرا على المقاطعة..و لكن ما علاقة ذلك بزيارتك للجزائر في هذا الوقت بالذات؟
  --آه...لوصبرت قليلا كنت سأجيبك. لقد علّمنا أبي لماذا كان يفعل ذلك و لماذا كان يجب علينا أن نتبنى نفس المُثُل التي كان يتبناها.  تصور أنه كان يستيقظ منتصف الليل لتفقد حيواناته. كان يوقظني في عز الشتاء لاساعده في ذلك. ''عندما تحب شيئا او شخصا ياولدي يجب ان تظهر ذلك''..هكذا كان يقول لي. "اناأحب هذه الحيوانات ولذلك يجب أن أظهر ذلك". و رغم أني كنت أكره أن أستيقظ في وقت متأخرمن فصل الشتاء و أترك فراشي الدافئ من أجل تلك الحيوانات لكن والدي جعلني احب ذلك فيما بعد. كنا ننتهي من تلك المهمة فنجلس أمام الموقد ليفسر لي كل شيء يفعله و لماذا. كان يحدثني عن الحروب التي شارك فيها أجدادي و هو شخصيا و ماذا تعلّمه منها. كان يحدثني عن الأماكن التي زارها و الناس الذين قابلهم.
-- طبعا حدثك عن الجزائر و لذلك انت هنا.
-- فعلا... حدثني عن رالي باريس - الجزائر داكار و مشاركته في هذا الرالي. حدثني عن ما استفاده من رحلاته حول العالم  و لماذا السفر حول العالم مهم بالنسبة لي. لقد زرعت في نفسي تلك الحكايات حب السفر و الحاجة إليه. 
-- و كم بلدا زرت لحد الآن؟
-- أكثر من 30 بلدا و انت ؟
-- انا؟ لا يهم .
-- هيا ...صارحني
-- ستضحك علي
-- لا تخف.
-- بلد واحد فقط.
-- اوه. أنا أبلغ من العمر الآن 30 عاما ..و انت؟
-- 26 عاما.
-- ما زال أمامك 4 سنوات و تحطم رقمي.
                                                                                  يتبع-



السبت، 18 يناير 2020

لم أتوقعها

 
 تناول الجميع فطور الصباح الذي جاد علينا به العساكر.  كلما نهض العسكر واستعدوا لمغادرة المكان عادوا للجلوس مرة أخرى. لقد صاروا أكثر لطفا و لست أدري هل أعزو ذلك إلى كرم احميدة الحاتمي ام للنقاش الذي دار بيننا. أشركنا الجميع في  الحديث. ضحكنا على عربية  أبو بكر المالي وفرنسية احميدة و انجليزية ربيع و هو يحاول التحدث بها مع لوركان الايرلندي. حاول العنابي استفزازي بتقليد طريقة الجواجلة في نطق الكلمات العربية التي تحتوي على حرف القاف و لكنه لم يفلح. 
    انتقلنا بعدها الى النكت وقد كان احميدة أكثرنا ضحكا لانه لم يكن يعرف أيًّا منها. ضحك المسكين حتى رأينا الدموع تنهمر من عينيه من شدة الضحك. اما لطفي العنابي فقد تنازل عن تعجرفه و أبان لنا عن شخصية مرحة أشبعتنا ضحكا وخاصة طريقة تقليده للهجة الجيجلية و السكيكدية. 
      كنت اعتقد أن النكتة لا يمكن ان تتجاوز حدودها الاقليمية لكن النيجيري إيغابي جعلني أغير رأيي فيه و في إقليميتها. أما الايرلندي لوركان فقد جعل ضحكاتنا تغمر المكان بسبب تهكمه على البريطانيين و الفرنسيين. كنت بصدد ترجمة ما أراد السائح الايرلندي ان يقوله. كنت أحسبها نكتة جديدة فطلبت من ايغابي أن يتوقف عن الضحك حتى أسمع جيدا. لكن لوركان فاجأ الجميع بحديثه عن نظرته الى الجزائر قبل أن يأتي إليها. "كنت أعتقد اني سأجد شعبا همجًا يقتل بعضه بعضًا كما يقتل الأجانب الذين يعيشون معه. كنت اعتقد انكم شعب يذبح بعضه بعضًا يوميًا كما تّذبح الخرفان أيام عيد المسلمين. كنت أتوقع ان أرى الجثث تملأ الشوارع و ان نظراتهم ستقتلني قبل سكاكينهم حالماألج بوابة حدودهم. كنت اتوقع أن يسلبني موظف الحدود  اموالي و حقائبي و يامرني بالعودة من حيث أتيت. كنت اتوقع انه إذا لم يفعل شرطي الحدود ذلك فسيسلمني سائق سيارة الاجرة الى أي إرهابي فيذبحني.  لم أجد سوى الترحاب و الدفء أينما حللت. اول شرطي صادفته في تلمسان عرض علي المبيت في منزله ووعدني بانه سيحميني من كل مكروه. لقد أوصى زملاءه بمرافقتي و الحرص على سلامتي حتى وصلت الى وهران. كنت أعتقد أنهم يفعلون ذلك بمقابل و لكنهم رفضوا قبض حتى مقابل مبيتي و إطعامي. صدقوني لقد زرت امريكا من قبل و المكسيك و البرازيل و حتى المغرب فلم أجد كل هذا. أنا لا أفهم سبب المجازر التي نسمع عنها في بلدكم. لا تبدو عليكم هذه القسوة التي يذبح بها المدنيون العزل في الحواجز الأمنية. حينما أخبرت والدتي بمشروعي زيارة بلدكم سقطت مغشيا عليها. لم تصدق أنني فعلا انوي ذلك. لن تصدق حتما حين أخبرها عن هذه السهرة الحلم. لن تصدق حين أقول لها أني قضيت الليلة مع كل هؤلاء كل هذا الوقت من الليل حتى طلوع الفجر في هذا المكان الموحش من الصحراء. لن يصدق والدي أن إبنه لوركان الذي كان يعاني من تنمر زملائه في المدرسة. لوركان الذي طالما وصفه زملاؤه بالدجاجة لخوفه من الخروج ليلا يجلس الأن وسط من يصفهم العالم بالارهابيين يقص عليهم النكت حول الانجليز و البريطانيين. لن يصدق والدي أني الأن وسط أكبر صحراء في العالم مع جزائريين و أفارقة على الخامسة صباحا نتقاسم الجبن الارجنتيني الفاخر و الشاي التارقي الرائع مع عساكر و مدنيين من شتى انحاء الجزائر و افريقيا ونتبادل النكت عن بعضنا البعض بل ويبكي بعضنا ضحكا.
      لن تصدق أختي انجيلا  التي ودعتني و أنا أغادر بيتينا باكية و كانها لن تراني ثانية حين احكي لها عن هذه  الليلة التي ان أنساها كيف ترافقنا الغزلان و تجري أمامنا دون ان يصطادها من نقول عنهم دمويون. لن تصدق كيف يخدمناا هؤلاء الجزائريون و الابتسامة لا تكاد تغادر محياهم. لن تصدق حينما أقول لها أنهم يتنازلون عن ثمن بضاعتهم إذا كان الزبون اجنبيا كرما منهم.  من نصفهم وحوشا يستقبلوننا في بيوتهم و يقدمون لنا أجود ما عندهم. كيف أقنعها أن هؤلاء الذين منحوني كل هذه المودة و الكرم و هذه اللحظات السعيدة هو الدمويون الذين نسمع عنهم في نشرات الأخبار يذبحون بعضهم بعضا؟"
    تمكنت بصعوبة من ترجمة ما قاله لوركان الايرلندي الذي كان يتحدث و هو يغالب دموعه. احترت بين ترجمة الكلمات و المشاعر في نفس الوقت. اخترت ان أنقل كل ما قاله لوركان بكل معانيه و مشاعره. أما الربيع الميلي فقد كان يحاول جاهدا ان لا يرى عناصر فرقته قائدهم و هو يبكي بينما أطلق البقية العنان لأحاسيسهم فنزلت دموعهم براقة بينما أخفى آخرون وجوههم بين أيديهم. 
    ما أن أكملت ترجمتي حتى نهض ربيع و من معه من العساكر يريدون الرحيل قبل ان تفضحهم مشاعرهم أكثر. وقفنا لتحيتهم. تقدم مني ربيع قائدهم الميلي و مد ذراعيه لاحتضاني قائلا:
  -- يا سي احسن...واللهما نسيت هذه  القعدة حتى نموت. هذا الايرلندي بكاني اليوم. قل له والله حاب نحضنه.
  -- ما تنساش تتعلم الانجليزية..سي أحسن لن يكون متوفرا دائما.
 -- والله يا أستاذ مانسيتكم.. وعدني بلي نبقاو على اتصال.
 -- اعدك..اتهلا في روحك.سلام
 -- استاذ حسان..هاو العنابي يقول لك سامحني..ان شاء الله تتسقم الامور ونجي نزوركم في جيجل.
 -- ان شاء الله ..اتهلا في روحك...بالسلامة...ربي يحفظكم.
    ركب العساكر سياراتهم . شغل السواق محركات السيارة بينما عاد العنابي بكيس من علب الجبن الارجنتينية الفاخرة و وضعها في يدي..تفضل يالشيخ...هذه من عندي ...اتهلاو في رواحكم..سلام.

الجمعة، 17 يناير 2020

أعذار


لا أدري لماذا مكثنا كل ذلك الوقت في ذلك المكان. بدأ الشك يتسرب الى نفس و شعرت أن حميدة كان ينتظرذلك الوفد العسكري حتى يأتي أو أنه يتعامل معهم خوفا أو طمعا. بدأت تباشير الصبح تظهر في سماء تلك البقعة الموحشة من الصحراء مع خيوط من ضوء الشمس سطعت من وراء تلك  الجبال السود المحيطة بنا. ذهب عسكريان الى سيارتهم بعد ان أمرهم قائدهم الميلي بذلك.  لقد كان العساكر في غاية الكرم حيث أحضروا كيسا ملآه جبنا و لحما محفوظا في علب معدنية خضراء إضافة الى قطع من الخبز تشير الى انه طعام العسكر. 
-- تفضلوا بسم الله ...هذا فروماج من النوع الأرجنتيني الفاخر. وهذا كورند ميت...والله هايل.
-- وخيارت بيكم حضرات...والله نشتهي الفرماج تاع العسكر ..زيدني وحدة حضرات.
   فرح احميدة بهدية العسكر و لم يكتف بواحدة فكان الضابط سخيا معه. فمنحه خمس علب و زاده مثلها من اللحم البقري المحفوظ.
-- كلهم  في الطريق و بالك يشدوك بيهم تقول لهم شكون اعطاها لك. 
-- والو حضرات..انا نموت على الفرماج هذا. والله ما وصل لتمنراست. .
-- قل لي يا حميدة..هذا القاوري اللي معكم ما شربش في الطريق.
-- والو حضرات..كان راقد طول الطريق. ما شفتوا جبد حاجة ..راه غير يتكيف.
-- استاذنا ..على بالك  بلي الفروماج و الكاممبير يلزمك تفرّش لهم؟
-- والله ما فهمتك خويا.
   نظرالعساكر الى بعضهم في تعجب أيقنت ان اجابتي على سؤال القائد هي سبب تعجبهم. كان الدركي العنابي أجرأهم حيث ضحك ثم توقف بعد ان رمقه الميلي بنظرة حادة.
-- استاذ ..الفرماج و الكاممبير لازملوا حاجة تشربها قبل ما تاكلهم باش تزيد البنة.
-- لا هذه ما نعرفهاش و عمري ما سمعت بها.
-- والو يا حضرات. الشيخ خاطيه الصوالح هذه.
-- واش من صوالح ياحميدة؟
-- شوف يالشيخ انا نقول لك...شوف سقسينا برك هذا الايرلندي إذا كان جايب معاه حاجة كلاس.
لم أكن لأفهم مقصده لو أن الذي قالها لم يكن ذلك العنابي المتعجرف. فهمت انهم يسألون إن كان لدى الإرلندي خمرا فاخرا.
-- حاجة كيما الريكارد ولا الباستيس ولا سكريمنج كاب.
-- على بالكم هذاالسيد واش جابه للجزاير؟
-- راه حواس يالشيخ..واش رايح يجيبه؟
-- هذاراه يحوس على الحقيقة..هذا راه يحوس على دين يؤمن به..قالوا له ان الجزائريين و الأفارقة جنوب الجزائر هم احسن الناس تطبيقا للاسلام و انتم جايين تفسدوا هذه الصورة.
-- وين تعرفه انت؟
-- حكيت معه ...هذا قال لي أن التدخين أكبر غلطة ارتكبها في حياته و انت جاي تسقسيه على الخمر ...والله عيب عليكم.
-- و علاش عيب ..هاك أنت تتكيف يالشيخ...والله كي شفناك بالدخان قلنا الشيخ تاني يديرها.
-- لا حول ولا قوة بالله...انا ثاني هذه غلطة عمري...من الأخر...السيد خاطيه و عنده خمس سنين ما شربش و ما يشربش.
-- الله غالب ...بلانا ربي يالشيخ..ها راك تشوف واش صاري..راك تعرف الميليتار ياشيخ..المشاكل و الضغوطات...رانا خارجين في مهمة في الربع الخالي هذا ثلاث أيام و احنا في الخلاء...واش تحبنا نديروا؟
-- يعني كي تشرب رايح تولي سيفيل -مدنيين- او تتحل مشاكلكم..
--هاك انت تتكيف يالشيخ. على بالك حرام
-- هه..شكون قالك؟هل يذهب العقل؟
--يهلك الصحة..
--شوف يا اخي..أنا أعرف أن الخمر حرام و متأكد من ذلك. الدخان مضر و شخصيا لا أحبه..أدعو الله يهدينا و يهديكم. 
--آمين..خسارة ما نعرفوش الانجليزية..والله كنت نقراها مليح فالمتوسطة جابولنا واحد في الثانوية مايقريش مليح..كان يجي يعمر لنا السبورة و يحل التمارين اللي في الكتاب و يروح.
-- ما زالك صغير الله يبارك. تقدر تتعلمها ..ساهلة
--والله ماذا بيا ياأستاذ..والله لو كان جيت في تمنراست نجي لعندك تعلمني و نخلصك..والله الشي اللي تطلب...والله كي نشوف واحد يتكلم الانجليزية مع السياح نغير .
-- قابل..بصح نخاف نسوفجك
-- آه ياأستاذ..كيفاش تسوفجني...رايح نولي نتكيف؟...لا ..ما نحبش الدخان.
--هههه..ما نقصدش الدخان. يعني نعلمك تتكلم الانجليزية تولي قادر تروح للاروبيين و تسقسيهم مباشرة على الشراب.
--ههه...والله والو يا أستاذ. ربي يتوب علينا...والله حشمتني..والله حاب نتعلمها...وزيد يا أستاذ...قل لي من تعاشر أقول لك من أنت...والله قبل ما نجي لتمنراست ما كنت نشرب... خالطت جماعة علموني.
-- صح..رايح نريح في تمنراست 15 يوم ..إذا حبيت ارواح ...أسبوع نقدر نعطيك حوايج في الانجليزية تقدر تكمل بيهم وحدك.

الخميس، 16 يناير 2020

ترجمان ذراع.

    أشعلت السيجارة الثالثة لأدخنها مع كأس الشاي الثالثة و الأخيرة. كانت كل كأس احلى من الأولى. اشتدت برودة الطقس مع مرور الوقت و أصبح الابتعاد عن النار الملتهبة وسطنا يعني الاقتراب من درجة التجمد. احس الايرلندي بلفحات البرد فسألني إن كانت الجلسة ستطول فتوجهت بالسؤال الى حميدة فرد علي بالايجاب. نهض الايرلندي و أحضر معطفا صوفيا لأنه كان يرتدي ملابسا خفيفة ظنا منه ان الصحراء لا تعرف برد أوروبا الشمالية القارس. كان سائقنا حريصا على ان يقطع دابر كل صمت قد يحل علينا فقص علينا مغامراته في الصحراء مع المهربين و اللاجئين الأفارقة و السواح و الزوابع الرملية و الأفاعي و كيف كان يخرج من كل ورطة بفضل فطنته.
  -- تعرف يالشيخ...الطريق و الصحراء علموني نتعامل مع الناس و مع الظروف..والله خير من مدرسة..علموني ما نخاف حتى من واحد. نعرف كيفاش نسلك روحي في الباراجات.
-- ياودي بركا ما تخرط على السيد ..بالاك تامنه ياشيخ...أكبر حاجة يخاف مها الباراجات تاع الجدارمية.
-- آش عارف أنت؟ أنت ما كنت معايا نهار تحديت الجدارمية و ما حبيتش نفتح لامال يجبدو الباقاج.
-- قال ليا اللي جا معاك..باسويلم..لامال ما حبت تفتح ماشي انت اللي ما حبيتش.
-- يا ودي والو... باسويلم ما كان معانا.  كنا في..
  قبل أن يكمل احميدة جملته قدمت ثلاث سيارات رباعية الدفع مسرعة .  سيارة عسكرية ذات دفع رباعي و سياراتان للدرك الوطني خضراء اللون و توقفت بالقرب منا. نزل منها رجال الدرك الوطني يحملون رشاشاتهم بأيديهم.
--السلام عليكم
--و عليكم السلام
    نهض السائق حميدة فزعا و مد يده لرقيب الدرك الوطني الذي ألقى علينا التحية وقد بدا لي من أول لحظة أنه و اللطف خطان لا يلتقيان.
-- تفضلوا حضرات...ريحوا ديروا فيها تايات ...تدفّاو شوية ...كاين كاوكاو.
-- ما حاجتناش بلا تاي نتاعك.وين هو الشوفور؟
-- انا هو حضرات ...انا هو.
--منين جيت ووين رايح؟ وثائق السيارة نتاعك.
--كاين حضرات...نروح نجيبهوم من السيارة...دقيقة برك.
--سقسيتك منين جيت ووين رايح ؟
-- من عين صالح حضرات...من عين صالح.
-- وين بيها؟
-- تمنراست ...تمنراست حضرات.
-- و علاش حبستوا هنا؟روح جيب الوثائق تاعك...اسرع. وانتم؟ ما زالكم قاعدين..أوقف يالله...لا قدر لا ر*****.
  وقف العربي صاحب حميدة ثم تبعه الافريقيان ثم تبعتهم انا ثم الايرلندي.
-- الوثائق تاعكم.
   اسرع العربي لتقديم وثيقته قبل أن يصل حميدة ويقدم وثائقه هو أيضا. قلب الدركي الوثائق وأعادها لأصحابها. ثم استدار نحو الافريقيين و كانه يعرفهما.
-- passeport
--voilà mon patron
-- toi le nigerian,ton visa a expiré. ton séjour est irregulier.
-- I speak English Sir.no French Sir
-- English? no English
   توجه الدركي بغضب الى المالي أبو بكر و طلب منه ان يترجم ما قاله لإيغابي. أعتذر المالي بأدب متحججا بانه من توارق مالي و أنه لا يعرف سوى الترقية و بعض الفرنسية.
   ازداد غضب الدركي و بدا وكأنه فهم من ان المهاجران الافريقيان لا يريدان التعاون معه. استدار نحوي قائلا
-- سنرى..سنرى...و انت؟ وثائقك.
سلمته بطاقة تعريفي فنظر اليها بتمعن
--بوفلغة حسان من جيجل
-- بوفليغة احسن ماشي بوفلغة حسان.
-- كيف كيف. من الطاهير ..جيجل. بلاد الارهابيين.
--مانيش ارهابي ما تغلطش وماشي كامل ارهابيين.
-- ما تنعتليش واش نقول. هذوك الطليان اللي ذبحتوربهم  ياك في جيجل طلعتوا ليهم للبابور وذبحتوهم.
--اللي طلعوا ليهم عشرين ماشي 400  الف جيجلي...قلت لك ما تجملش.
--تبان لي انت فاهم. على بالك راك في عين امقل ...ماراكش بعيد على المعتقل.
-- ما نعرفوش بصح يظهر لي رانا مع بعض..يعني حتى انت ما راكش بعيد.
-- واش تخدم يالفاهم.
-- اسمي احسن ...نخدم استاذ.
-- معلم. وين تخدم يا معلم؟
-- أستاذ في الثانوي. في عين صالح.
--واش تقري لوليدات في عين صالح.
-- اللي قريتهم راهم يخدموا كيما انت...ما راهمش وليدات...المهم نقري اللغة الانجليزية.
-- اللونجلي ...و علاش ما هدرتش كي كنت حاصل مع النيجيري؟
-- لو كان هدرت لو كان قلت لي واش دخلك.
     أعاد لي البطاقة ثم توجه نحو الايرلندي الذي بدا غير مكترث بالوضعية الجديدة. طلب منه الدركي ان يميط لثامه عن وجهه ففهم و أظهر وجهه واخرج جواز سفره. ساله الدركي عن وجهته و سبب سفره لوحده مستعملا الفرنسية. فأجابه بلغته الانجليزية بأنه لا يفهم سواها.نظر إلي الدركي و كأنه يطلب مني ترجمة ما قاله للدركي.
-- هذا طلب والا أمر؟
-- قلت لربك ترجمله واش قلت.
-- ما نيش خدام عندك باش تكفر علي . والله ما ترجمت كلمة.
-- والله تبات هنا و ما تحركت السيارة حتى تترجم واش قلت.
-- والله ما ترجمت كلمة لو كان نقعد هنا عام.
-- يالشيخ ..الله يرحم الوالدين..آش خاسركي تترجم زوج كلمات.
-- والله ما ترجمت كلمة حتى يتكلم بأدب.
     هنا أقبل من عرفت فيما بعد انه قائدهم بعد ارتفاع أصواتنا. تقدمت نحوه و شرحت له الموقف.
-- ما تقلقش يا شيخ..هذا جديد هنا و يتسرع بزاف...انا من ميلة و انت من جيجل..من جهة واحدة. عاونا برك يالشيخ...الحالة ما تعجبش و هذه منطقة عسكرية تقريبا...السيد هذا من ايرلندا جاي وحده..حبينا نتأكدوا واش راه يديرهنا في عين مقل بالضبط.
    لم أقتنع بما قال فأعدت له موقفي من سلوك الدركي معنا ورفضت التعاون حتى يعتذر. لم تمض لحظات حتى قدم الدركي العنابي  إلي معتذرا مني متحججا بظروف العمل القاسية و أنه لم يزر عائلته منذ أشهر و أن خاله الشرطي قتله الارهاب.
   حُلّ الإشكال بعد أن تدخل حميدة و أقسم علينا أن نجلس  و نشرب شايه مجددا. لم يتردد في إحضار الحطب و أشعله معلنا بداية السهرة من جديد. جلسنا و العساكر و رجال الدرك حول النارالتي ارتفعت ألسنة لهبها. حميدة تحمس للجلسة فجلب كيسا ثانيا من  الفول السوداني. اما صاحبنا الدركي العنابي فأطبق صامتا و لم يرفع رأسه منذ اكثر من نصف ساعة.

 




السبت، 11 يناير 2020

الإنسان مسافر رغما عنه

  أكمل احميدة صب الشاي و أعاد ملء إبريق الشاي بالماء ووضعه فوق الجمر بعد ان حركه فأحمر من جديد. اسرعت في شرب الكأس الأولى في انتظارالكأس الثانية  الأحلى و الأفضل لأنها أقل تركيزا.
-- قل له يا مستر حسن أن شايكم أحلى من الشاي الذي نشربه في إيرلندا بعد الظهر.
--يا احميدة , شايك أجود من شاي ليبتن حسب هذا الايرلندي.
--قل له أن ينتظر حتى يشرب الثاني...والله يحبس نتاع الساشيات نهائيا.
--كم كأسا تحضرون؟
-- حسب علمي ثلاثة. الكأس الاخيرة تكون أقل تركيزا و تمنح غالبا للصغار. يا حميدة ياخي كاينة منها تطيبوا ثلاث كيسان؟
-- إيه ...صح...الثالثة تكون خفيفة..توالم العيّل - يقصد الصغار- 
-- قبل ان يصب الكأس الثالثة  و قبل أن نكمل الثانية أخرج لنا احميدة كيسا من الفول السوداني ووزع على كل واحد من نصيبه.
   انشغل كل واحد منا بغنيمة السهرة. انتبهت الى الصمت الرهيب الذي كاد أن يعم  قعدتنا لولا صوت تفريك الفول السوداني. كنت سابادر يسؤال حميدة  لكنه سبقني قائلا.
-- شحال ناوي تريح هنا في الصحراء ياشيخ؟
--أنت تعرف يا احميدة المقولة '' الجزائري مسافر رغما عنه''...انا أقول الانسان مسافر رغما عنه.  يسافر على خاطر مجبر على السفر . أنا من هؤلاء. كنت ناوي نروح لفرنسا بعدما كملت قرايتي في الجامعة لكن المكتوب بعثني هنا.
-- واش من مكتوب ياشيخ...رحت لفرنسا مرتين و ما بغيت تبقى.
-- كنت وقتها ما زالني طالب جامعي ..قلت نكمل و نروح.
--في اكتوبر 1992 بعثت ملف لجامعة في باريس..كنت ضمنت سكن في باريس عطاهلي عمي رابح -الله يرحمه- كي رحت لعنابة نجيب الفيزا رفضوا إعطائي الفيزا. رجعت للدار خايب. بقيت بلا خدمة جيت لعين صالح.
-- و علاش عين صالح؟
-- كنت نعرفها من قبل. جيت ليها في 1991 في عطلة الشتاء..وقتها ما كان فيها لا سخانة لا زوابع رملية.
-- يعني لو كان جيت في الصيف ما تزيدش ترجع؟
--الله اعلم عندي عامين من اللي جيت هنا عديت الصيف و الخريف و الشتاء و الربيع و راني راجع ان شاء الله. 
-- تقدر تقول والفت؟
-- و تقدر تقول بالذرع...أنا شاك سمروني هنا ياحميدة
--شكون يسمرك يالشيخ...واحد ما يدنى ليك.
-- تعرف النهار الاول اللي جيت هنا لعين صالح واش صرالي ؟
-- غير الخير؟
-- هذاك النهار وصلت على ال12 فالطيارة.. كان خويا كوميسار هنا. فالعشية صرات حكاية.. بوليسي نسى المسدس نتاعو في مطعم. نساه كي دخل للمرحاض حاشاك..كي تفكروا رجع ما لقاهش. واحد دخل و هز المسدس.
-- سمعت بيها الحكاية هذه. 
-- كان خويا اعطى فرصة للشرطي باش يجيب المسدس..اعطاه سيارة و بعثوا مع واحد شرطي من فقارة الزوى
--و علاش...اللي خذا المسدس من فقارة الزوى؟
-- لا ..انا رحت معهم حواس.. قاولوا كاينة عجوزة ترقية تضرب الرمل و تقدر تقولهم شكون خذا المسدس.
--نسمع بيها العجوزة ..خالتي مباركة يقولوا ليها. أيوه؟
-- خرجت لينا. قال لها الشيفور كاينة حاجة ضاعت للسيد ...ماذا بيك تقولينا وين راهي و عند من؟
-- مباشرة يا حميدة..قالت واحد الكلام و بدات تلعب بالرمل.. قالت له هذه حاجة كحلة و فيها حاجة صفراء من داخل.
-- مسدس اكحل و رصاصة صفراء
-- صح..قالت له من بعد يومين يعيطو لك تروح تجيبها. من بعد يومين اتصل واحد بالشرطة و قالهم على المكان. وجابو المسدس.
-- راني خايف تكون دارتلي كاش حاجة باش رجعت لعين صالح.

-- والو ما تخاف يا شيخ.. هنا الأمن و الأمان و الحمد لله...والله يالشيخ الناس ترانكيل هنا و خاطيهم المشاكل..حتى المحامين اللي فتحوا مكاتب هنا غلقوها بعد شهر شهرين. الناس خاطيها المشاكل.
-- قل لي يا احميدة..وهذا السوداني واش بيه ساكت؟ واش حكايته؟
--هذا مسكين من مالي ما يحك ما يصك. طالع هابط للشمال...هو من توارق الازواد اللي في الشمال تاع مالي.
    استدار حميدة نحو ابو بكر مالي و أخبره اننا نتحدث عنه و عن سر صمته الدائم. ابتسم المسكين ابتسامة تنم عن خجل شديد و أعطى الإذن لحميدة ليحدثنا عن قصته وسبب سفره الدائم.
-- هو من منطقة صحراوية شمال مالي..مساكين داير فيهم الجفاف حالة ..حكالي مرة وحد العام وصلت بيهم المجاعة يحفروا الغيران تاع النمل و جبدوا حبات القمح اللي فيها. كانوا يتحركوا فالصحراء باش يرعاوا الغلم و البل تاعهم.
--و علاش ما يريحوش فبلاصة واحدة؟
-- ما يقدوا ..كي يخلاص العلف لازم ليهم يتحركوا..حتى جات حركة الازواد و بدات تخلط فالحالة.
-- كانوا عايشين من التهريب من الجزائر..حليب اللحظة يوصلهم للدار..كي شعلت الحالة الجزائر زيرت عليهم الحدود و قفلت عليهم. 
-- علاش ما يهبطوش لجنوب مالي؟تبان لي الحالة خير من الشمال.
-- ما يقدروا يالشيخ..العنصرية دايرة حالة.ما يقبلوا بيهم.
--و علاش رايح جاي للجزاير؟
-- هذا مسكين...تصور يطلع حتى لعندكم لجيجل. يروح للميناء و يخدم أيامات  حمال ..يجيب الحبال ولا السّبت ..عارف ليهم ياك؟
-- اللي يربطوا بيهم السلعة...تلقاها مبسطة بيضاء و خط احمر ولا ازرق في وسطها.
-- إيّه..هذيك هي ..يجمعها ويجيبها معاه باطل على خاطر واحد ما يحتاجها... يديها حتى لآنفيس..القرية منين رجع يسكن..يخدموا بيها زرابة و لا فراشات و يبيعوها في باماكو. 
-- هذي كامل على جال السبت هذو؟
-- إيه يالشيخ. هذا مسكين المدينة اللي ينزل فيها يحوس وين يخبي السبت و من بعد يبدا يخدم أي حاجة ...المرة هاذي رجع مرعوب من جيجل.
-- علاش...واش شاف.
-- سمعت بهذوك البحارة الطليان اللي ذبحوهم في ميناء جنيجن.
-- جنجن يا حميدة...ميناء جنجن..و هو واش دخلوا؟
--زهروا ادّاه هذيك الليلة للميناء يخدم.. شكوا فيه... هزوا العسكر و شبع فيه ضرب و قالوا له ما تزيدش تدور هنا.
-- على بيها مسكين من اللي طلع و هو ساكت ويخمم.
-- كيما قلت من قبيل يا الشيخ.. الانسان مسافر رغما عنه.

الجمعة، 10 يناير 2020

احميدة فنان الشاي

  
انشغل احميدة السائق و صاحبه بالنار حتى تستوي جمرا بينما راح الايرلندي يراجع مذكراته على ضوء مصباح يدوي. أما النيجيري إيغابي فأخرج نصف سيجارة و اشعلها بعود حطب مشتعل و راح يحرص على أن لا تنتهي قبل أن يحصل على كامل نكهاتها بأن يأخذ نفسا خفيفا منها. بعث دخانه في نفسي الرغبة في إشعال سيجارة أخرى فأخرجت علبة الريم من جيبي و أخذت سيجارة منها و رحت أقلبها بين أصابعي قبل ان أبللها بلساني. نظر الي الايرلندي في دهشة ثم قال:
-- مالذي تفعله؟ لماذا تبلل سيجارتك هكذا؟
--لأنقص من حراراتها داخل صدري.
-- لا فائدة في رأيي..المشكلة في النيكوتين الموجود في هذا الدخان.
-- هكذا تعودت ان أفعل.
-- أردت ان أقول أنها مضرة سواء مبللة أو جافة. التدخين أسوأ قرار أتخذته في حياتي. كنت مراهقا حينما فعلت ذلك لأول مرة. أردت ان أثبت للجميع اني رجل فوقعت في فخها.
-- كيف ذلك؟ انتم في ايرلندا لديكم قوانين تمنع القصّر من شرائه و مكاتب التبغ من بيعه لكم.
-- كل شيء بدأ في الثانوية حيث كنت أعاني من التنمر. فعلت كل شيء لأثبت لزملائي أني رجل بما فيه الكفاية.اما مسألة الحصول عليه فكانت سهلة للغاية فأبي كان مدخنا شرها و غالبا ماكنت أسرق من مخزوناته.
هنا تدخل النيجيري إيغابي و كأنه شعر بتناقض كبير في كلام لوركان الايرلندي. 
-- كيف يثبت الانسان رجولته بسيجارة يشعلها بين شفتيه؟ بأمكانك أن تثبت لأي كان باستعراض قوتك العضلية او الفكرية. أنت لا تستطيع ان تصارع شخصا و تغلبه بمجرد إشعالك سيجارة.
-- لم أقل ان أعتقد مثل هذا الكلام.
-- قلت أنك في مرحلة المراهقة عانيت من التنمر فلجأت الى التدخين لأثبت ذلك..لا يمكنني بلع هذا الكلام. آسف.
-- يا سيدي ..في تلك المرحلة من عمري كنت أعتقد ذلك.  و انت كيف بدأت رحلتك معه؟
--لم تكن لي فرصة الدخول الى الثانوية فقد فصلوني لأني كنت كثير الغياب. مرض والدي دفعني للتسرب من المدرسة و الذهاب الى العمل لأوفر حاجيات عائلتي. 
-- لكن انجليزيتك جميلة . كيف أتقنتها و انت تقول انك انقطعت عن الدراسة مبكرا؟
--كنت احرص على حضور حصص اللغة الانجليزية و أسأل زملائي دائما عنها إذا ماغبت. العمل مع الأطفال الذين انقطعوا عن الدراسة مثلي جعلني اتعلم مثلهم  كل الحماقات التي تميز أطفال الشوارع. 
-- مخدرات و سرقة و..
-- كلا يا سيدي..أقسم لك ان لم أفعلها في حياتي. أبي شريف و أمي شريفة و لا نقبل مثل هذه الاعمال في قريتنا في كادونا.  التدخين بالنسبة لي كان الاختيار الاقل سوءا. 
-- و لماذا؟
-- لأنه الوحيد الذي لا يلحق بالأخرين الأذى. السرقة اعتداء و المخدرات قد تدفع من يتعاطيها الى ما هو أسوأ. 
--كلامك جميل. ألم تحاول التوقف عنها؟
-- أنا لا أدخن كثيرا و احاول ان لا أفعل. ليس لدي المال الكافي لأمارس هذه الهواية. حلمي هو الهجرة الى أوروبا و حينما أصل هناك سأتوقف عنه.
   هنا تدخل حميدة بعد ان شعر أنه أحيل على الهامش هو و صاحبه العربي. 
-- والله ما فهمت شي من اللي قلتوه باللونجلي يالشيخ. ياك غير الخير؟
-- لا ..غير الخير يا حميدة رانا نحكيو على البلية نتاع االتدخين و علاش رانا نتكيفوا.
-- الله يعفوا علينا و عليكم. انا بروحي عمري ما تكيفت...بصح ابني الكبير راح للجامعة في ورقلة تعلموا... راني انا متكفل بالتموين نتاعو.. والله نجيبلو كارتوشات نتاع ماربولورو دايما من عند المهربين.
  انتبه حميدة إلى  ان ألسنة اللهب قدأتت على كل الحطب و حولته إلى جمر. هنا أخذ إبريق الشاي و ملأه ماء ثم وضعه على الجمر الأحمرأمامنا. لم ينتظر طويلا ثم أخذ علبة الشاي المعدنية و أخذ مكيالا عبارة عن كأس و ملأه شايا ووضعه في الإبريق. هنا سالني الايرلندي: 
--   ماذا يفعل؟ لمن يُحضّرهذا الشاي؟
--يا حميدة ..راه يقول لك لمن تطيب فلاتاي؟
-- قل له لينا قاع.
-- يقول لك السائق أنه لنا جميعا. على حسابي ..ما تتقلق.
   أخبرت لوركان بما قاله فرد علي بمثل إيرلندي و هو يضحك.
--  It is sweet to drink but bitter to pay for. حلوة ان تشرب لكن المرارة ان تدفع ثمن ذلك.
 أخذ احميدة الابريق و أفرغ الماء الدافئ دون الشاي و أضاف له ماء جديدا.
  نظرنا إليه بتعجب فرد علينا بلغة الخبير.
--  غسلته من الغبار..والله رايحين تذوقوا شاي عمركم ما ذقتوه في حياتكم.
مرت دقائق و أخذ حميدة علبة ثانية وأخرج منها أعشابا يابسة و أضافها إلى إبريق الشاي.
-- هذا نعناع نتاع جناين الهقار...والله الشاي اللي يطيب بيه ما تلقى كيفه.
  لم ننتظر طويلا ليخرج حميدة كيسا من عجينة التمر او البطانة كما يسميها أهل الصحراء و بدأ يوزع علينا قطعا منها.
-- تمر ميزاب ..والله ما تلقي كيفه فين ما رحت..هذا تمر أحمر يغرسوه سبيسيال للبطانة و يديروا بيه كسرة التمر ..اتمتعوا بصحتكم... اللي ما شبعش راه كاين الخير.
   قلت في نفسي و كأن هذا الرجل علم ما في نفسي. لقد كنت أسمع مصارين بطني و هي تصفر من الجوع.  و لكني لم أكن وحدي. فقد التهم الافريقي الصامت وجبته مرة واحدة.
  رفع أحميدة إبريق الشاي  و بد في خلطه في كاس كبيرة سماها ''الخلاط'' تارة يرفع الابريق و تارة يخفضه حتى طلعت رغوة كبيرة أعلى الكأس. هنا شرع حميدة  في صب الشاي في الكؤوس التي كانت بعددنا .يلصق الابريق بالكاس و يبدأ في الصب ثم يرفع الابريق الى أعلى من رأسه دون ان تسيل قطرة واحدة خارج الكأس. "إنه فنان حتى في صب الشاي "قال لوركان.


  

كي العربي كي الترقي كي الشناوي

      
ترجلنا  أنا و السائق و صاحبه العربي من السيارة و بقينا ننتظرالبقية لانهم كانوا يغطون في نوم عميق. أيقظت إغابي النيجيري والايرلندي بينما تكفل احميدة بإيقاظ الافريقي الثاني الذي لم يتكلم أبدا منذ ان انطلقنا من عين صالح. طلب منا مرافق احميدة ان نتبعه بينما تكفل هو بفتح صندوق السيارة الخلفي و أخرج بعض الأغراض. عرفت فيما بعد أنها مستلزمات تحضير الشاي الذي وعدني به احميدة في الطريق.
   واصلنا تتبع صاحبنا العربي إلى أن توقف وسط أرض مسطحة فهمت فيما بعد انه كان يبحث عن منطقة خالية من الصخور خوفا من الأفاعي و العقارب التي  تملأ المكان. القمر بدا لي وكأنه كوكب المشتري بعد ان كبُر حجمه ومن شدة إضاءته كنت استطيع ان أرى تضاريسه و أوديته بكل وضوح. حتى الإرلندي بدا عليه الانبهار بهذا المشهد و أخبرني انه لم يسبق له أن رأى في حياته مشهدا كهذا.
-- يا للروعة..صدقني لم أشاهد القمر أقرب الى الأرض قبل هذا اليوم..أشعر كأني أستطيع ملامسته لو صعدت الى ذلك الجبل.
--حتى النجوم تبدوا و كأنها أكثر إنارة هذه الليلة. تبدو و كأنها ليلة غير عادية.
    سألت احميدة الذي أقبل يحمل أغراضه عن سر هذا المشهد العجيب فأجابني انه لا يملك تفسيرا لذلك لأنه أعتاد على رؤيته مذ كان صغيرا. 
-- ربي رحيم بنا. يعني كل هذا الفراغ يا جماعة وهذا الصحراء و هذه الرمال و الأحجار و يزيد يظلمها علينا؟  ربي رحمنا بهذه بالانوار حتى نعرف طريقنا.
 --القمر أكبر حجما هنا يا حميدة...لم أشاهده هكذا من قبل.
-- ريّح يا شيخ وسترى العجب كي تشوف الشمس تطلع وراء الجبال هذيك.
   وكان الايرلندي فهم اننا كنا نتحدث عن ذلك المشهد فطلب مني ان أترجم ما قاله احميدة عنه. 
-- ليتني كنت استطيع  استعمال الكاميرا هنا. إنه مشهد لا يُنسى.
     استأذننا في الذهاب الى السيارة و أحضر حقيبته بينما جلسنا نحن على الأرض , بعد ان أكد لنا صاحبنا العربي أن الرمال هنا نظيفة و حبّاتها كبيرة كحبات الكسكسي و لا تلتصق حتى بملابسنا. جلس الجميع حول دائرة حجرية تبين لنا انها استخدمت من قبل في اشعال النار فقد كان الرماد و بقايا الحطب السوداء يغطيها.
   انشغل السائق بجلب الحطب من بقايا الاشجار اليابسة بينما أحضر صاحبه بعض الحشائش اليابسة و وضعها داخل الدائرة بينما أحضر حميدة حزمة من الاعواد ورتبها بإتقان فوق تلك الدائرة الحجرية.
   شعرت بالبرد يتسلل إلى جسمي عن طريق قدماي فهما أول من تتحسس أي هبوط في درجة الحرارة. بدأت يداي ترتجفان من شدة البرد. لم أكن الوحيد الذي شعر بذلك بعد أن استعجله صاحبه العربي ثم الافريقي الصامت الذي أنطقه البرد أخيرا. الوحيد الذي لم تبدُ عليه علامات الشعور بالبرد هو صاحبنا الايرلندي. لقد أخرج ورقة و قلم رصاص و راح يرسم المشهد ويدون مع الرسومات ملاحظات باللغة الانجليزية  مستعينا بسيجارة من علبته الفاخرة.
   أشعل العربي عود الثقاب و وضعه بدقة تحت كومة الأعواد وسط الحشائش اليابسة. التهمت الأعشاب عود الثقاب المشتعل بسرعة و كأني بها هي الأخري أحست بالبرد القارس الذي كان يلدغنا. انتشرت السنة اللهب الى الاعواد بسرعة. لم يتطلب الأمر ان ينفخ فيها ذلك العربي حتى تلتهب. سارع الجميع الى مد أيديهم لالتقاط ما تيسر من الحرارة المنبعثة من موقدنا. اما صاحبنا الايرلندي فواصل عمله غير مكترث لا بالبرد الذي كان يسود المكان و لا بالنار التي كانت توفر لنا مزيدا من الدفء.
     لقد أكمل الورقة الاولى ثم شرع في الثانية. أخرج علبة الالوان و شرع في تلوين ما رسمه حتى انه رسم السنة اللهب المنبعثة من النار و رسم الحضور بدقة عجيبة حتى انه كان بأمكان كل واحد منا أن يميز نفسه فوق الرسمة.. كنا ننظربإعجاب لما كان يفعله مستعينا بضوء القمر المنير و النار.لم يتمالك صاحبنا العربي نفسه و سألني ضاحكا: 
-- يا شيخ...والله حتى تسقسيه.
--علاش نسقسيه؟
-- قل له يا شيخ ..اسمي مكتوب؟
  كنت الوحيد الذي فهم قصده. ضحكت كثثيرا لأني أنا أيضا تذكرت مباشرة مسرحية عادل إمام " شاهد ما شافش حاجة'' بعد ان رأيت الايرلندي يدون جملا الى جانب  رسوماته.انتظرت بفارغ الصبر أن ينتهي مرافقنا الاوروبي من عمله لأسأله عما كان يفعل.
-- أنا معتاد على ان ادوّن كل شيئ جديد أراه في كل بلد أزوره. انا أكتب حتى عن الحشرات التي أشاهدها لأول مرة. 
   ليؤكد كلامه أخرج ورقة و أراني نملة قام بلصقها على رمال على الورقة وقام بكتابة ملاحظاته عن النملة.
--هذه  نملة لم أشاهد مثلها في حياتي. نملة معدنية كانها من الفضة عثرت عليها في عين صالح. امسكتها و حملت بعض الرمل في جيبي و عندما وصلت الى الفندق قمت بلصق الرمل على المذكرة ثم الصقتها على الرمل ..ساحتفظ بها كذكرى من صحراء الجزائر. ثم اخرج مذكراته التي كتبها عن رحلته في المغرب.
 لم ينتظر احميدة كثيرا بعد ان أنهى الايرلندي شرحه لما يفعل ليطلب مني أن أترجم لهم ما قاله. 
-- شفت يالشيخ ..هذه ناس تاع علم..شوف السوادين هاذوا..والله رايحين جايين و الله ما يكتبوا حرف...شوف الناس.
-- وعلاش انت راك تكتب؟
-- والو..ياولدي ماشي كيف كيف...انت وليد عين صالح كاش ما عمرك كتبت؟ أنا طاكسيور..ما عندي وقت.
-- اولادك تاني ما يعرفوا يخدموا ذاك الشيء ...أحنا قاع كيف كيف كي السوداني كي العربي كي الترقي.
-- كي الشناوي كي الجيجلي.








الأربعاء، 8 يناير 2020

غلطة التارقي

أردت ان اختبر معلومات احميدة التاريخية لكنه بدا متاكدًا مما يقول خاصة و انه ذكر لي السنوات بالتحديد. 
-- هذه الحكاية صرات يالشيخ في 1881 و ذكرها مؤرخين ياسر..والقائد الفرنسي الذي تم قتله مسموما الليلة هذيك اسمه كومندان فلاترس. وفرنسا بسبب هذيك الضربة ما زادتش جات حتى ل 1889
-- يعني فرنسا و ما أدراك ما زادتش دارت في المنطقة لمدة 8 سنين؟
--إيه يالشيخ ...وين تجي؟ كانت تحضر نفسها لكننا كنا نعرف الصحراء...يعني تجي في مارس والا أفريل فترة الزوابع الرملية تنتحر. من بعد ماي السخانة ياسر حتى لأكتوبر. في أكتوبر نتحركوا احنا في الصحراء ما تلقاناش.
-- يا ودي بركا ما تخرط عليه. ماشي الشيخ  امود أغ المختار  القايد تاعكم هرب و خلاها؟
-- إيه ..شافكم انتم العرب تحاربوا مع فرنسا  ما قدر يقاوم على جيهتين...راح الى توارق ليبيا و حارب معاهم حتى مات في 1928.
-- هذاك اللي مسمية عليه ثانوية تامنراست؟
-- إيه هو يالشيخ ...مجاهد كبير ..الله يرحمه.
-- قلت لي يا حميدة التوارق داروا غلطة كبيرة ..واش هي هذه الغلطة؟ حاربوا فرنسا؟
-- أبدًا يالشيخ. الغلطة هي أنهم ما قبلوش بالاستعمار الفرنسي و رفضوا يبعثوا اولادهم يقراو في المدارس الفرنسية كيما داروا العرب و الحراطين.
-- آش باغي تقول علينا أحنا؟ احنا قبلنا بفرنسا؟
-- التوارق ما قبلوش يتعلموا لغة الفرنسيين...خافوا على لغتهم و تقاليدهم ...من بعد الاستقلال الادارة الجزائرية خدّمت اللي قراو عند فرنسا و خلات اللي ما قبلوش يتعلموا لغتها.
-- آش يخدموا بيكم انتم؟ آش تعرفوا تخدموا أنتم ؟ما قريتوا ما تفهموا ما تخدموا..
      استشاط حميدة غضبا من كلام صديقه العربي و كاد يوقف السيارة لولا أن منعته. أما العربي فقد كان يضحك من كلام السائق و يطلب مني أن لا أصدق كلامه فكله ترهات و خرافات.
-- بالاك تامنه يالشيخ هذو مساكن التوارق فاتت عليهم الحضارة و خلاهم متخلفين علينا . تصور يالشيخ مرحاض ما عندهمش في دارهم.
-- ما عندناش و مانديروهش في دارنا. احنا شعب نظيف وما يقبلش الخماج حاشاك يالشيخ داخل الدار.
-- هذه ثقافة و كل واحد ينظر للنظافة بطريقته الخاصة. يعني في رايك رفض تعليم ابنائكم في المدارس غلطة كبيرة للتوارق؟
-- طبعا يالشيخ...لوكان علّمنا اولادنا في المدراس لو كان استفدنا أكثر من دولتنا.. روح شوف الادارات في تامنراست و عين صالح. شكون اللي حاكمينها؟ غير اللي جاؤوا من الشمال و العرب و الحراطين.
-- هكذا نفهم يا حميدة بلي ندمتوا على فرصة كبيرة.
-- هذيك هي يالشيخ. كنا أسياد الصحراء فأصبحنا في ذيل الترتيب في المجتمع.  قاع يضحكوا علينا لأننا لم نتعلم في المدارس و حافظنا على ثقافتنا.
-- يعني لو كان تعلمتم كنتم ستصبحون أفضل؟
--مكاش كيما القراية يالشيخ. لو كنت قاري كنت فتحت وكالة سياحية و نستقبل السياح من جميع الدول  و  نكري سيارات و نبني اوتيلات و نخلص غير بالدوفيز.
-- عندك ابنك خرج من الجامعة. يقدر يعاونك.
--ما شي ساهلة يالشيخ . اللقب نتاعه تارقي..يحقروه..قلت نفتح له وكالة سياحية الخدمة نقصت ياسر...لاسواح و لاهم يحزنون..هو درس تجارة غير باش يفتح وكالة ..الوكالات كلها لأصحاب الشمال. هلكنا الارهاب الله لا تربحه.
-- والله كاينة...اول مرة جيت لتامنراست في 1991. والله كانت تغلي بالسياح.
-- يا حسراه يالشيخ ...والله في السمانة  كنت نصور ما شاء الله..شريت زوج سيارات و دار في تامنراست و زدت تزوجت.
كنت ندي فوج من تامنراست لقمة أسكريم و نرجعهم لتامنراسث نصور قد ما نصور في شهرين.
آو..ما لاكنت تضرب على الراس؟
--لا يالشيخ... كنت نعرف نخدم. نخلص غير بالدوفيز...نشري من عند السواح القش و نعاود نبيعه.
-- اسمح لي يا حميدة...راك كارثة يا صاحبي انت رجل اعمال من الكبار.
    هنا توقف احميدة عن الكلام بعد ان نال اعترافا كان يبحث عنه و خرج عن الطريق ليتوقف قائلا :
-- والله يا شيخ تستاهل كاسة تاي من النوع الرفيع...ننزل هنا قاع و نديروا فيها قصرة عمركم ما تنساوها. هنا عين امقل. نكنيظ امويت ايالله...الحمد لله بالتارقية يالشيخ.

الثلاثاء، 7 يناير 2020

الهبالة

   انطلقت بنا السيارة مجددا بعد أن نال السائق احميدة قسطه من الراحة. سألته كم مرة يعبر هذا الطريق في الاسبوع فأجابني بانه أحيانا يقطعه 3 مرات في الاسبوع و يرتاح يوما فقط في الاسبوع. 
 -- أحيانا يالشيخ والله ما نرتاح.. تحتاجني السلطات نحوس بزوار الولاية من الرسميين و الدبلوماسيين فالصحراء نخدم ما نحبسش.
-- و علاش يختاروك انت بالذات؟
-- في حياتي مادرتش حادث مرور و اعرف مسالك الصحراء كلها. يعني تركب معايا ما تضيعش في الصحراء يالشيخ.
-- اشحال وانت تخدم هكذا ؟
-- أكثر من 18 سنة.
-- الله يبارك.
--أنا نسعى على زوج عائلات . واحدة في تامنرست و واحدة في عين صالح. 
   هنا  استيقظ صاحبه العربي فجاة ليؤكد ما قاله معاتبا أياه على تسببه في أزمة ديموغرافية للبلد.
-- هذا يالشيخ راه عنده 12 طفلا. خمسة في تامنراست  و سبعة في عين صالح.
-- قل الله يبارك يا صاحبي. ما خصني غير انت تحسدني.
-- ما ني حاسدك يا ودي- يقصد يا ولدي- ربي يزيدك ان شاء الله. ياك انت تحب الوليدات.
-- إيه...ربي انعم علي بيهم ...الحمد لله...واحد راه بالاك يقرا عندك يالشيخ. 
-- ما اعرف ..واش نقمته ؟
-- أق الساهلي 
-- ما تقوليش هذاك ولدك؟
-- إيه ولدي..الشيخ اتهلا  فيه ربي يهنيك.
    أردت ان اخبره ان إبنه عبارة عن كارثة بشرية فهو لا علاقة له باللغات الاجنبية وانه لا فائدة ترتجى منه ولكني تراجعت حتى لا أفسدعليه الرحلة.
-- عندي سبعة يقراو ..واحد كمل قرايته و اربعة ما زالوا صغار.
-- الله يبارك...ربي يحفظهم لك.
-- اللهم أمين..آمين..أحنا التوارق يالشيخ غلطنا غلطة كبيرة و رانا نخلصوا فيها. راك فاهمني يالشيخ.
-- لا سامحني....هنا والله ما فهمتك. واش من غلطة.
--شوف يالشيخ..احنا التوارق كنا أسياد الصحراء ...هكذا يقولوا علينا 
-- و ما زلتم أسياد الصحراء.
-- لا..راك تقمبر بيا الشيخ.
هنا تدخل صاحبه  العربي مستهزءا.
--أسياد الصحراء ؟ من وقتاش ؟ نحن العرب أسيادها.
-- أنتم العرب لم تحاربوا فرنسا كما فعلنا نحن. الشيخ أمود و تينهينان يشهدوا علينا. تعرف قصة الكتيبة الفرنسية اللي قضى عليها التوارق في ليلة واحدة؟
-- هذي و الله ما نعرفها...وقتاش صرات؟
-- هذه يااشيخ حكاوهنا اجدودنا ..جاءت كتيبة فرنسية في القرن اللي فات حبّت تستعمر الجنوب..بعث قائد الكتيبة مبعوثا فرنسيا لزعيم قبيلتنا ناحيةعين صالح و طلب منه تسليم المنطقة دون قتال على ان يحفظ للاهالي حقوقهم و أملاكهم. 
--عربيتك جميلة يا أحميدة..
-- شكرا...هذه قصة حفظتها هكذا.
هيه..كمل الحكاية .
إيه ...قلت لك رحب زعيم قبيلة التوارق بالمبعوث الفرنسي و اتفقوا على تسليم المدينة بدون قتال.
-- هيه هيه ..و يقول لك أسياد الصحراء. كيفاش أسياد الصحراء و انت تقول استسلم بلا قتال بلا جد ماليكم؟
--ما كملت الحكاية...اصبر علي شوية...إيه كيما قلت لك يالشيخ اتفاهموا غدوة من ذاك يجي الفرنسيون و يدخلون بلا مشكل. لكن الزعيم الترقي طلب منهم قبول دعوة للعشاء على شرف الكتيبة بأكملها..قال له أن التوارق يكرمون الضيف و هذا من شيمهم.
-- هيه هيه هيه...استسلام و وزيد عشاء من فوق..قالك أسياد الصحراء. هيه هيه..
--يا ودي اصبر ما تقاطعنيش. غدوة من ذاك جاءت الكتيبة ب350 فرد..كما وعد مبعوثها ... استقبلهم زعماء القبيلة و نصبوا لهم الخيام و بدات النسوة في تحضير وليمة العشاء. على بالك الشيخ ..لم يبق من الكتيبة الا حوالي 40 فرد..تم القضاء عليهم بالسيوف.
-- و الباقي؟ 310؟
-- هاذوك يالشيخ تعشوا الكسكسي ...حطينالهم حشيشة يسموها الهبّالة...حشيشة سامة تنبت في الصحراء...حتى البعير ياكل منها يموت...حطيناها طابت مع اللحم. والله تقدر تلقاها في الكتب تاع فرنسا..مذكورة الحكاية .


 

السبت، 4 يناير 2020

غضب الايرلندي


دخلنا الى المحل و كم كانت دهشتي كبيرة عندما وجدت ان المحل لا تضيئه سوى شمعتين اوشكتا على الانطفاء. رحب بنا البائع و كان أكثر ترحيبا بالسائح الاوروبي. لم أجد ما كنت أروم شراءه فالمحل كان خاويا الا من بعض علب الكبريت , السجائر,  البسكويت و السكر و الشاي. كان البائع الترقي بصدد طبخ الشاي على الجمر في زاوية مظلمة من المحل. طلبت من البائع كأس شاي و علبة بسكويت و علبة سجائر. سلمني علبة البسكويت و كأس الشاي أما السجائر فقال انه لم يتبقي له الا خمسة سجائر فقط. سلمت له مبلغ الحساب و انتويت الخروج عندما أستوقفني الايرلندي.
-- سيدي, ألا يوجد غير هذا المحل؟
-- هذا هو المحل الوحيد المتوفر حاليا قبل الوصل الى وجهتنا.
-- مستحيل..غير معقول؟ 658 كلم في صحراء ضخمة كهذه لا يوجد سوى هذا ال...كيف أسميه ؟هذا ليس محلا .
--هون عليك يا سيدي...نحمد الله ان وجدنا هذا. 
-- ماذا تقول؟ انتم راضون عن هذه الوضعية ؟ 
   أردت ان أخبره عن ما يعانيه هذا الشعب بسبب رفضه للوضع و لكني أثرت الصمت . و كأنه فهم ما أردت ان أقوله.
-- أعذرني يا سيدي...أقسم انن لو كن نملك في ايرلندا ربع ما يملكه بلدكم هذا لأصبحنا أقوى دولة في العالم. يا سيدي بلد بكل هذه المقدرات لا يملك فندقا واحدا على طريق طوله 1058 كلم. مستحيل.
     شعرت أن السيد يعاتبني و كأنني مسؤول عن هذا الوضع فقلت له:
 -- سيدي من انت بصدد معاتبته ليس سوى مدرسا بإحدي ثانويات هذه الصحراء..خذ لك كاس شاي واتبعني لتعرف الحكاية.
    أخذ كأسه و أشعل سيجارة و عرض علي أخرى.لم أرفض العرض فسيجارة ونستون لا تقاوم إذا كانت  في جيبك سجائر ريم القاتلة. شكرته و خرجنا نقصد السيارة لكننا وجدنا السائق و بقية المسافرين يغطون في نوم عميق. لم يطق الارلندي الانتظار فبادرني قائلا.:
-- ما ذا أردت أن تقول خارج المحل؟ ما هي قصتك؟آسف إن سببت لك حرجا او مشكلا.
-- لا ..فقط وجب الحذر مما تقول.
--طيب و ما حكايتك؟
--   كما تعرف انا من الشمال و اشتغل في سلك التعليم هنا في الصحراء و انا منذ امس في عطلة لمدة أسبوعين.
-- صحيح .انت لا تبدو من الجنوب. صحيح فعلا لكن لماذا لم تذهب الى الشمال؟ أأحببت الجنوب لهذه الدرجة؟
-- أحببت الجنوب؟ اتمازحني؟ أنا أنتظرت العطلة بفارغ الصبر لأزور والدتي في جيجل. جيجل حيث أقيم في شمال شرق الجزائر. مدينة ساحلية من اجمل ما قد تراه عينك.
-- آه تذكرت. فهمت الآن .تقصد الوضعية الأمنية .فعلا حذرتني مصالح بلدي قبل القدوم الى الجزائر.أكمل
-- قبل العطة باسبوع اتصلت بوالدتي لأطمئن عليها لكنها فاجأتني بطلبها مني عدم الذهاب الى هناك. الوضع الأمني تدهور بشكل رهيب و لا يمر يوم إلا و يقتل فيه رجال أمن أو مواطنون مساندون للحزب المحظور.
-- تقصد حزب الاسلاميين ؟
--نعم . 
-- و ما دخلك انت؟ أنت مدرّس و لست رجل أمن و لا يبدو عليك أنك إسلامي فانت تدخن و تتكلم الانجليزية معي دون مشكل.
--هنا المشكلة . أخي الأوسط  يشتغل في  سلك الأمن اما أخي الأكبر فهو من انصار الحزب المحظور و تم اعتقاله و اطلاق سراحه بسبب ذلك.
-- أعتُقل لأنه ناشط في هذا الحزب؟
-- لا اعتقلوه لأنه كان يحضر حملاتهم الانتخابية.
--لا أفهم يا سيدي . وما شانك انت في كل ذلك؟
--الانتقام .أصبح كل طرف يصفي حساباته مع الطرف الآخر باغتيال أفراد عائلات الطرف الأخر.
--فهمتك الآن. يعني أن الاسلاميين قد ينثقمون من أخيك رجل الأمن بتصفيتك أنت.
-- و العكس صحيح ...رجال الأمن قد ينتقمون مني لأني أخ لأحد أنصار الاسلاميين.
-- أوو..وضعيتك صعبة فعلا...ليتني أستطيع مساعدتك...عذرا ما كان يجب على ان اتحدث معك بذلك الشكل. 
--لا تثريب عليك. جهود الدولة الآن منصبة على استعادة الأمن بدلا من تحسين الأوضاع الاقتصادية. كما ترى فالسياحة تضررت كثيرا بسبب الوضع الامني.
-- تقصد انه لا يمكن الاهتمام ببناء المرافق السياحية طالما لا يوجد سياح.
--بالضبط . الجدوى الاقتصادية ضرورية قبل اطلاق أي مشروع. الأموال مخصصة الآن لحماية المنشأت الاقتصادية قبل أي شيء آخر.
-- ما قرأته عن بلدكم قبل قدومي تحدث عن تدهور الأوضاع في الشمال و ليس في الجنوب.
--الأمر سيان . لقد تأثر الجنوب بما يحدث في الشمال. الاعلام عندكم يتحدث عن الجزائر كبلد واحد و ليس الجهات المعنية بالارهاب فقط.
-- صحيح. حتى نشرات التحذير االتي تصدرها وزارة خارجيتنا تحذر من السفر الى الجزائر.
-- نحن بلد مغبون في كل شيء. هل تصدق انه حتى جيراننا يسيئون إلينا حتى يسترجعوا السياح الذين اعتادوا السفر الى الجزائر.
-- عذرا . ماذا تقصد بالضبط.
-- قبل أيام كتب صحافي جزائري مقيم في باريس عن ظاهرة منتشرة بين سواق الطاكسيات التونسيين المقيمين في فرنسا.
-- و ما ذا يفعلون؟
-- تصور ان اي زبون يستقل سيارتهم يسلمونه قصاصات الجرائد التي تتحدث عن المجازر التي تحدث في الجزائر.
-- و لماذا يفعلون ذلك؟
-- الأمر واضح ..لدفعهم لزيارة تونس حيث يوجد الأمن و الآمان حسب اعتقادهم.
   أنهيت كأس الشاي مثلما فعل رفيقي الارلندي قبل أن ينتبه الى أنه دخن كل السجائر التي كانت في علبته. أراد أن يكمل الحديث بعد أن يستخرج علبة من حقيبته. ما إن فتح باب السيارة حتى استيقظ احميدة و نادى علي مباشرة
- الشيخ؟...هيا اطلع ...مابقي وقت .
--

الجمعة، 3 يناير 2020

الترقي لا يتيه

  واصلنا السيرفي وسط تضاريس من أغرب ما يرى الناظر فكثبان رملية على مد البصر تارة او جبال صخرية سوداء تارة أخرى او مزيج بينهما. الشيء الأكيد ان الحياة لا أثر لها هنا. كنت اعتقد ذلك قبل أن تكذبني تلك القطعان من الغزلان التي ظهرت فجأة امام السيارة. أخذت الغزلان تجري مذعورة و كأنها شعرت بأن السائق يطاردها بسيارته في منظر لم أشاهده إلا في تلك الاشرطة الوثائقية التي كانت تصور في أفريقيا. كان عددها كبيرا لكن  كان بامكاني عدها بعد أن استمرت في الركض امام السيارة و بجانبها. المنظر أعجبني و هنا تدخل السائق حميدة.
-- تعرف يالشيخ وحد البنة فيها ما تقد تتصورها. 
-- موالف تصيدها؟
-- إيه يالشيخ ...والله ما يفوت شهر بلا ما نصيد وحدة...أحنا التوارق نعرف وين نلقاوها و نعرف نصيدوها بسهولة. مشوية على الرمل ما تلقاش كيفها. يديروها في عين صالح بصح باللحم غنمي
-- سمعتهم مرة يحكيوا على ملة
-- إيه ...هي بالضبط كسرة محشية باللحم المتبل تطيب تحت الرمل.
-- هذا دليل على أن الحياة موجودة هنا يا حميدة... ما شفت حتى شجرة و الا حشيش أخضر او يابس هنا .. ومنين تعيش هذه الغزلان؟
-- ربي رزاق عظيم الشان سبحانه..لوكان تتوغل في الضحراء تشوف العجب...بين هذه  الجبال و الصخور و العروق كاين بحيرات و حشيش و دنيا قايمة.
-- عمرك تهت في الصحراء.
-- هههه....آه يا شيخ....تقول على واحد ترقي تاه في الصحراء يضحكوا عليك هنا. أنت من جيجل ياك؟ تقدر تقول على واحد عايش في الجبل ضيع الطريق و تاه في الجبل؟
-- ماشي كيف كيف...تمة حتى إذا ضاع مايموتش بالعطش او السخانة.
-- إيه..كاينة ..انا نحكي على الخبرة...آني نعرفها يالشيخ...حكمة خلاوها الجدود ..اول شيء يحافظ عليه الترقي هو الماء و الحليب..و هما في زوج من السوائل. على هذيك المثل عندنا يقول ''امان ايمان اخ ايسودار'' و يعني  الماء هو الحياة و الحليب هو القوت او الزاد
-- عاود المثل هذا آحميدة ربي يحفظك
--امان ايمان اخ ايسودار..ساهل 
--امان ايمان اخ ايسودار...خلاص حفظته..و لوكان تصرا و تضيع فالصحراء واش تدير؟
-- إذا كنت في الصحراء و فقت باللي تهت اول حاجة تحبس المشي. ما تزيدش خطوة .اترك السيارة و ارجع تبع أثار العجلات. ما تجريش. الماء دايما معاك. ما تشربش الماء...غير حط شوية في فمك و ابق دوّر لسانك فيه. غطي روحك من الشمس باش ما تعرقش . أمش وما تطلعش الكثبان الرملية او الصخور باش ما تفقدش الطاقة...إذا لقيت آثار ماشية ماعز و الا غنم و الا بعير تبعها...هذا ماكان.
-- كاين اللي تاهوا ولقيتهم, جزايرين  ؟ سياح أجانب؟
-- إيه ..صرات ...بالصح ماشي ياسر...الاوروبيين  عندهم الماتريال ...الخرائط و البوصلة و الراديو ..تعلموا..رجعوا يمشوا مجموعات و يكروا دليل ينعتلهم الطريق...عندهم الدوفيز... المغابن هاذوا السوادين.
-- واش بيهم؟
-- هاذوا ما عندهمش مساكن...يبدلوا طريق النظام باش يهربوا من حرس الحدود و على بيها يتيهوا
--كاين اللي ماتوا؟
-- ياسر ...اشحال من واحد لقينا غير عظامه مسكين. و نزيدك حاجة..
-- تفضل
-- هاذو اللي جايين من اروبا بلادهم تحوس عليهم و تجري عليهم ..سقسي على هاذوا السوادين مساكن والله واحد ما عارف ليهم قاع... تعرف الشيخ..كاين ابن تاتشر هاذي ...الوزيرة الاولى تاع النجليز...هذا بنها تاه في الصحراء بين تيمياوين و تيىزاواتين 5 أيام. دارت حالة عليه...يحكي لي أبّا ان الدولة تاعنا خدّمت الطوارق كامل باش يلقاوه .
-- و لقاوه؟
-- إيّه...الحكومة قالت  الجدارمية لقاوه بعد 5 أيام  حي ..شافوه من هليكوبتر...و أبّا قال ليا هما اللي لقاوه و خبروا الحكومة.      
    استمتعت كثيرا بحديث هذا السائق على أنغام علة البشاري. هي لحظات وتوقفت السيارة أمام بيت من طوب قال لنا السائق أنه محل تجاري .من أراد ان يتزود بالطعام او الشراب فلينزل. آي آي..شعرت و أن ركبتاي لن تحملاني مرة ثانية من كثرة الجلوس. نزل الجميع. توجهت مع الايرلندي الى ما قيل أنه محل اما البقية فمنهم من أشعل سيجارة و منهم من جلس ينتظر على الأرض. مرحبا بكم في ''آراك''.

الأربعاء، 1 يناير 2020

أجمل رحلة - على أنغام علة البشاري-

   استمر حميدة السائق في قيادة السيارة رغم أني أخرجت السيجارة و وضعتها في فمي. لقد فهم غرضي لكنه كان يخطط لشيء آخر. التوقف هنا مضيعة للوقت والجهد قال لي فيما بعد. فكرت كيف أن أجعله يتوقف عن طرح تلك الأسئلة المفخخة فقلت في نفسي لماذا لا تبادره انت بالسؤال و تجعله يجيب بدلا من أن يسأل؟  وجدت السؤال لكن صديقه العربي ابن الشرفة استيقظ و تذكر أين توجد شريط الكاسيط الذي استلفه منه.
-- احميدة...شوف في الباب منين الشيخ...راه كاين كاسيط علة البشاري ...راني جبتولك.
-- آه يا صاحبي..وعلاش ما قلتليش من الاول بلي عندك. هاتوالشيخ يرحم الله والديك ..هاهو في على يمينك في الباب.
   ناولته الشريط  ولم أكن أعرف عن علة البشاري هذا شيئا. فقلت اسأله قبل ان يبادرني هو. بدأ الشريط فإذا به عبارة عن عزف على آلة العود.
-- وهذا ما رايحش يبدأ يغني؟
-- ههه...لا يالشيخ ...هذا العود ينطقه ... هذا لا يغني ...هنا في الجنوب نقول اللي ما يعرفش علة ما يعرفش بشار و انا نقول اللي ما يعرفش علة ما يعرفش الصحراء.
--و الله عمري ما سمعت به...عامين و انا هنا.
-- آش خلق ليك يالشيخ؟ هذا والله يداويو بيه المرضى النفسانيين في ألمانيا.
-- آووو..لهذه الدرجة؟
-- والله كيما نقولك يالشيخ...تعرف وحد النهار وجد الوالدة نتاعه ترحي القمح فالمهراس فأخذ العود و بدأ يعزف على إيقاع ضربات المهراس و من شدة تأثر معزة كانت بجانبه طاحت غاشية.
    بدا لي أن ما يقوله صحيح فالموسيقى كانت رائعة خاصة في ذلك الظرف بالذات.  السيارة بدت لي و كأنها تتجاوب مع تلك المعزوفات الرائعة فراحت تنساب بين تلك الجبال الصخرية السوداء كأنها حية رقطاء. الأمر لم يقتصر  علي فقط فقد استيقظ السائح الايرلندي فجأة ليطلب من السائق ان يرفع من صوت المذياع. استجاب حميدة السائق له فرفع صوت المذياع و استدار جهتي بابتسامة ماكرة.
-- راني فهمتوا يالشيخ بلا ما تشرح لي ..قال لي زيد للمذياع.
-- و كيفاش فهمتها؟
-- والو ساهلة يالشيخ...كنت موالف نديرها للسواح و قاع هكا...تعجبهم مباشرة يقولوا ليا ...راديو بليز..نفهم نزيد الصوت.
--غاية...هكذا هنيتني.
-- والو يالشيخ ..ما قلتش ليا كيفاش نتعلمها.
-- انت ترقي صح؟
-- وهذي واش دخلها؟ يعني ما نقدرش ...انبوسيبل؟
-- لا ياحميدة ما قصدتش ..انا حبيت نقولك انك ترقي و تعلمت العربية و راك تتكلمها عادي.
-- والله ما فهمتك يالشيخ .
-- بما أن لغتك الام هي الترقية فالعربية لغة أجنبية بالنسبة اليك كالانجليزية...يعني أعرف كيف تعلمت العربية و طبق نفس الطريقة اللي تعلمت بها العربية تتعلمها.
-- تعلمتها على خاطر صحابي و جيراني كانوا يحكوا بالعربية..شوية شوية تعلمتها.
انتهى الشريط فقال الايرلندي لحميدة إن كان يملك نسخة منه فاجابه بنعم. 
--شفت يالشيخ ..قلت لك راني نعرف و نفهم الانجليزية .بسرعة فهمت بلي طلب مني نقلب الكاسيط.
-- لا ...ما قالش هكذا ..اسرع راه يستنى فالجواب.
--واش قال الله يرحم الوالدين؟ 
--قالك إذا كان عندك نسخة أخرى من الشريط هذا.
-- والو ما عندي...بصح نبيع له هذه كي نوصلوا ..عندي بزاف فالدار...فهموا يالشيخ ...الله يرحم الوالدين.